Saturday, July 12, 2025

الأنتليجنسيا المصرية


(لا ديمقراطية بدون طبقة وسطى)، تلك هي الفرضية الأساسية لكتاب " الأصول الاجتماعية للدكتاتورية والديمقراطية: السيد والفلاح في صنع العالم الحديث" (1966) لعالم الاجتماع السياسي الأمريكي بارينجتون مور جونيور. هذا الفرضية جعلتني أتساءل "إذا كان لا يوجد ديمقراطية دون طبقة وسطى، فلماذا توجد طبقة وسطى بدون ديمقراطية؟ لماذا عجزت الطبقة الوسطى (البرجوازية) المصرية عن خلق نظام سياسي ديمقراطي؟" بل إن الفترة التي شهدت أقصى امتداد للطبقة الوسطى كانت هي نفسها الفترة التي شهدت فيها مصر أشد أنظمتها استبدادا (الفترة الناصرية). هل تكمن المشكلة في أن الطبقة الوسطى المصرية ولدت انتهازية؟ أي أنها تعالت على الطبقات العاملة (البروليتاريا) وأصرت على تهميشها، ونعتها بصفات تحط من شأنها، مثل "شعبية، بلدي، بيئة"، بل وحاولت الطبقة الوسطى – من أجل مصالح أفرادها الشخصية - الارتباط بالطبقات الحاكمة سواء أكانت أكانت هذه الطبقة الحاكمة ارستقراطية (الأسرة العلوية) أو استعمارية (الإنجليز) أو عسكرية (دولة يوليو)، لكن صلاح عيسى في كتابه (البرجوازية المصرية وأسلوب المفاوضة) يرى سببا آخر، وهو أن البرجوازية المصرية "قامت بثورتها ضد معسكرها العالمي وليس في حمايته، وبعد أن تحولت البرجوازية الأوروبية بالفعل إلى قوة محافظة ومعادية للتحرر وللديمقراطية". ص 17



بالعودة إلى بدايات العصر الحديث، سوف نجد أن الدولة العثمانية أتاحت لانتليجسيا (مثقفي) الطبقة الوسطى (المتمثلة آنذاك في شيوخ الأزهر) الفرصة لتشارك الطبقة الأرستقراطية (المماليك) في نظام الالتزام الذي غير نظام الملكية في مصر، فانضم بعض شيوخ الأزهر إلى المماليك في جمع الضرائب من الفلاحين، وإرسالها للدولة العثمانية، ومن وقتها انفصلت الطبقة الوسطى عن البروليتاريا (الفلاحين) وتحالفت مع الطبقة الحاكمة، فكان التغيير من أعلى.

وعندما جاءت الحملة الفرنسية إلى مصر وهرب المماليك بعد هزيمتهم، أتاح نابليون للطبقة الوسطى دورا سياسيا، فأنشأ لهم دواوين لحكم مديريات القطر المصرى وجمع الضرائب، ومع ذلك قاد مثقفو الطبقة الوسطى (شيوخ الأزهر) دورا محوريا في قيادة المقاومة المصرية ضد الحملة الفرنسية، إذ لم تكن القومية العربية أو الوطنية المصرية قد اتضحت بعد، لذلك لعب الدين دورا محوريا في دفع الطبقة الوسطى للتحالف مع البروليتاريا لمقاومة للحملة الفرنسية، مقاومة من أسفل، رغم محاولات الفرنسيين في تقدير الإسلام بل وإسلام بعض قادتهم.



بعد رحيل الحملة الفرنسية، لم يتخل شيوخ الأزهر عن دورهم السياسي، فقادوا الاعتراضات الشعبية التي بدأت من أسفل ضد الولاة العثمانيين، لكن قيادة شيوخ الأزهر استخدمت الحراك الجماهيري للضغط على الدولة العثمانية، وليس لمواجهتها، لأنها تدرك أنها غيرمستعدة للحكم بدونها، لذلك فعندما قرروا عزل الوالي العثماني وتعيين غيره، فلم يختروا أحدهم، بل اختاروا أحد القادة العسكريين العثمانيين، إذ فرضوا محمد علي على السطان العثماني، وأيدوه في التخلص من المماليك. وهكذا كان تدخلهم في الحراك الشعبي لتحويله إلى دور من أعلى، حتى جاء الدور عليهم ليتخلص منهم محمد علي، ويبدأ في بناء طبقة وسطى جديدة ترتبط بالدولة و أنتليجنسيا مدنية، وذلك بتغيير نظام الملكية في مصر إلى نظام احتكار الدولة، والتوسع في التعليم المدني وإنشاء جيش وطني وصناعات مرتبطة به، مما جعل الطبقة المتوسطة الجديدة ترتبط بالدولة الناشئة، وتنفصل عن الطبقات الدنيا، بل وتتكبر عليها، فقد كان التغيير الذي أحدثه محمد على في مصر تغييرا من أعلى.

تغيرت سياسة الأسرة العلوية بعد هزيمة القوة العسكرية لمحمد على وإجباره على التوقيع على اتفاقية لندن عام 1840، فخضعت الدولة العلوية لارادة القوى الاستعمارية الغربية، واصطفت لها من الطبقة الوسطى المصرية من يدعمها، ومنحتهم ألقاب الباشوية والبكوية والأراضي، مما ساهم في اتساع الفجوة بين الطبقات، حتى وصل الوضع في ١٩٥٢ إلى سيطرة 0.50% على اقتصاد البلد.

لكن الطبقة الوسطى الوليدة قادت الحركة الوطنية للدفاع عن مكاسبها وللمطالبة بمزيد من الحريات السياسية، ووجدت هذه الحركة الوطنية في الضابط أحمد عرابي ورفاقه في الجيش المصري قوة عسكرية لتضغط على الدولة من أجل تحقيق مطالبهم الوطنية والديمقراطية، لكن عندما انتهت حركة عرابي بنتائج عكسية، تحالفت الطبقة الوسطى مع البروليتاريا، وكانت ثورة ١٩ ذروة عمل هذا التحالف الذي خلق ثورة من أسفل، فرغم أنها ألهمت الشعب عصيانا مدنيا وعمليات مسلحة، إلا انها تركت الجيش والشرطة المصرية بعيدا عن نشاطها، ولم تكن احداث ٢٥ يناير 1952 في الإسماعيلية إلا استثناء.

كانت مشكلة ثورة 19 أن قادتها تحولوا إلى باشوات وبكوات ووزراء تحت الاحتلال الإنجليزي، بل إن أحدهم (النحاس باشا) وقف في صف الأنجليز ضد الملك. فكك هؤلاء القادة الارتباط الثوري بين الطبقة الوسطى والبروليتاريا، وحولوا الثورة إلى ثورة من أعلى. وعن ذلك التفكيك يقول صلاح عيسى (إن دخول الجماهير الشعبية إلى الحلبة كان يحول الصراع ضد الاستعمار إلى شكل يتجاوز قدرة البرجوازية، ويتجاوز مطامحها. كما أنها كانت تراه - بوعيها المحدود – ضد مصالحها. كان نموها الضعيف يفرض عليها باستمرار أن تمارس لعبة ابتزاز صغيرة مع القوى الاستعمارية، ولكن الجماهير الشعبية كانت تهدد بإحالة هذه اللعبة إلى معركة حقيقية، وهو ما كانت البرجوازية تخافه وتخشاه، كانت تخشى أن تدفع الجماهير القوى الاستعمارية إلى شراسة تفوق قدرتها هي نفسها على التحمل أو تعصف بمكاسبها المحدودة، ثم إن هذه الجماهير كانت مطالبة – من منظور مصالح البرجوازية وأهدافها - ألا تعمل لحسابها الخاص، كانت هي الأخرى عدوا منتظرا أو متوقعا، وفي بعض الأحيان بدت عدوا رئيسيا، خطره محقق، بينما خطر الاستعمار محتمل أو ممكن احتماله....  إن البرجوازية المصرية كانت حريصة دائما على استثمار عطاء الجماهير لتبتز الاستعمار، وبمجرد أن يلوح لها بمكاسب ضئيلة سرعان ما تطرد الجماهير من الحلبة وتضعها في قفص الظروف اللاديمقراطية، لكي تحمي مكاسبها وتصون حلفاءها الجدد). ص 19



ولم يقتصر هذا الوضع على المجال السياسي، بل امتد إلى المجال الاقتصادي والثقافي والفني، فرغم أن الفن مرآة تعكس المجتمع، إلا أن السينما المصرية تجنبت إظهار الحارة المصرية، حتى ظهر أول فيلم واقعي مصري "العزيمة" (1939) الذي أوقف تصويره طلعت باشا حرب، صاحب شركة ستديو مصر، عندما علم أن أبطال الفيلم حلاق وحانوتي وجزار وفران، وهذا في نظره يسيء الي واجهة مصر.



ورغم أن معظم قادة انقلاب 52 كانوا من الطبقة الوسطى، ورغم محاولاتهم رد الاعتبار للبروليتاريا المصرية من فلاحين وعمال، إلا أنهم كوَّنوا طبقة من كبار الضباط، بمجرد أن قضوا على الطبقة الارستقراطية (من إقطاعيين ورأسماليين)، فتحولت حركة الضباط الأحرار من ثورة من أسفل إلى ثورة من أعلى. 

منذ هزيمة المشروع الناصري في ٦٧ والعرب عاجزون عن تحريك واقعهم أو توجيهه أو إيجاد بديل له، وقد نتج عن هذا العجز ظاهرتين. الأولى هي تشكيل مثلث للقوى المؤثرة في الشرق الوسط من إيران وإسرائيل وتركيا، وبالطبع يلعب النظام العالمي الأحادي (مثتملا في الولايات المتحدة) دورا محوريا بين رؤوس هذا المثلث. الظاهرة الثانية هي تحول العقل العربي من مسار الفعل إلى مسار رد الفعل، ومن التحرير الوطني إلى مسار محافظ يحاول إيقاف حركة التاريخ وتثبيت الواقع، إدراكا منه بأنه بأنه لم يعد فاعلا في هذا الواقع، بل مفعولا به من مثلث قوى غير موثوق بها، فإذا كنا عاجزين عن التقدم خطوة واحدة، وفي نفس الوقت لا نثق في المؤثرين، فعلى الأقل يمكنا التشبث بمواقعنا فلا نتراجع، ولكن لأنه يستحيل إيقاف عجلة التاريخ أو التغلب على حركته ، فقد تراجع العرب للوراء خطوات كثيرة، وسيطر هذا المسار المحافظ على العقل العربي حتى في نخبته المثقفة التي تحولت (باستخدام مصطلحات جرامشي) من دور المثقف العضوي الذي يسعى إلى تغيير مجتمعه تغييرا ثوريا وذلك بالربط بين البنيتين الفوقية والتحتية للمجتمع إلى مثقف طبقي تقليدي أنعزالي يخدم مصالح الطبقة الحاكمة ويدافع عن مصالح طبقته الاجتماعية.

وعلى الصعيد الفني، تغيرت صورة البطل المخلص الذي ينتمي إلى الطبقة الوسطى ويرتقى السلم الاجتماعي بالتعليم والثقافة، إلى صورة البطل الشعبي القادم من صفوف الطبقة الدنيا دون أن يمتلك أي مهارات أو مؤهلات للبطولة، وهكذا صنع عادل إمام أسطورته دون الاعتماد على وسامة أو جسد رياضي، كما انتشرت أغاني عدوية بانتشار الكاسيت، رغم رفض الإعلام الرسمي إذاعة أغانيه، وبالطبع تعالى المثقفون على هذه الأنماط الفنية الجديدة باعتبارها تمثل انحدارا للذوق العام، ولكن إذا كان الذوق العام بالفعل قد انحدر، فهل يجب على الفن التعبير عنه، باعتبار أن الفن يعبر عن المجتمع ويعكس ثقافته مهما كان مستواها، أم يجب على الفن أن ينفصل عن المجتمع، وينتج أعمالا تخلو من الصدق؟



وفي نفس الوقت بدأت الصحوة الإسلامية تدخل مصر، لتقدم بديلا سياسيا للمشروع القومي المهزوم، ورغم اختلاف إسلام الصحوة عن إسلام الطبقات الدنيا في مصر، إلا أنها تبنته بفضل تغلغل الاسلاميين في هذه الطبقات ومساعدتها لهم ماديا وتنظيميا، لكن النخبة المثقفة للطبقة الوسطى لم تفزع إلا عندما فتحت السلطة (المسيطرة على الإعلام) نوافذ إعلامية لنجوم الصحوة، وعندما بدأ أفراد من الطبقة العليا في تبني مشروعها، فهذا يعني أن مشروع الصحوة قد أحدث تغييرا من أسفل ثم بدأ في الصعود إلى أعلى طبقات المجتمع, محدثا انقساما ايديولوجيا طوليا في المجتمع، بالاضافة الى الانقسام الطبقي عرْضيا. الانقسام الأيديولوجي قسم المجتمع طوليا إلى أنصار الدولة المدنية وأنصار الدولة الدينية، غالبا كان مثقفو الطبقة الوسطى من أنصار الدولة المدنية، وكانت الطبقات العاملة من أنصار الدولة الدينية، بينما كانت الطبقة الحاكمة والمستفيدون منها لا يستطيعون تصور أن يحكم مصر رجل غير عسكري.

يلوم اليساريون على السادات إضافة الإسلام إلى الدستور ويعتبرونها سببا لأسلمة الدولة، متناسين أن أول مرة جاء ذكر الإسلام في دستور الدولة المصرية بعد سقوط الخلافة العثمانية كان في دستور عبد الناصر ١٩٥٦. وكان قد سبقت في التاريخ الدستوري خمسة دساتير لم يذكر فيها الإسلام، وهي دساتير ١٨٨٢/ ١٩٢٣/١٩٣٠/ ١٩٥٢/ ١٩٥٤. فقط دستور ١٩٥٦ ثم دستور ١٩٦٤ نصا على أن "الإسلام دين الدولة"، وفي دستور عام 1971 أضاف السادات أن " مبادئ الشريعة الاسلامية مصدر رئيسي للتشريع"، ثم في تعديل الدستور عام1980  أصبحت "مبادئ الشريعة الاسلامية المصدر الرئيسي للتشريع".

وبعد أن كان المثقفون – خصوصا اليساريين – ينتقدون حكم مبارك باعتباره امتداد للسادات، التفوا حوله وسعى وزير ثقافته إلى ضمهم إلى حظيرة الدولة، ولعب مبارك دور لاعب سيرك بين العلمانيين والإسلاميين، فكان من جهة يستخدم الإسلاميين كفزاعة لتأجيل الديمقراطية، ثم يفتح لهم مجالا محدودا من النشاط الجامعي والبرلماني كواجهة ديمقراطية لنظامه.

تفضل النخبة المثقفة الديكتاتورية العسكرية (بقايا المشروع الناصري) على التيارات الدينية التي نتجت عن مشروع النهضة الإسلامية وأنتجت في أفغانستان تجربة رجعية معادية لكل أشكال التحديث، بينما على الأقل حافظت الديكتاتورية العسكرية على هامش صغير من التحديث، وإن كان شكليا. وإذا كان هذا المبرر لانحياز المثقفين مفهوما، فإن رفضهم للتيارات الدينية بحجة أنها لا تؤمن بالديمقراطية مثير للسخرية بدرجة كبيرة، كأن الديكتاتورية العسكرية تطبق نظاما ديمقراطيا! والحقيقة أنهم لا يتذكرون الديمقراطية إلا في نقد التيارات الدينية. وبدلا من دورهم في توعية وتثقيف الجماهير، فإنهم يختلقون الخطر كأنهم زرقاء اليمامة، ويلغون العقول تسهيلا لقيادة القطعان وحشرها في حظائر الديكتاتورية العسكرية. على سبيل المثال، يخوف هولاء المثقفون شعوبهم مما يحدث في سوريا، ناسين أن دفع الشر المؤكد أولى من تجنب الشر المحتمل، وأن تحرير الإنسان أولى من نحرير الأرض، فيدعون قلقهم من احتمال انقسام سوريا أو وقوعها في حرب أهلية، ولكنهم ينسون أن سوريا تحت حكم الأسد انقسمت بالفعل ووقعت فريسة حرب أهلية وتحت النفوذ الأجنبي الروسي والأيراني والأمريكي والبريطاني. ويتباكون على احتلال إسرائيل المنطقة العازلة مع سوريا بعد رحيل الأسد، متناسين أن الحكم العسكري في مصر يتجاهل احتلال إسرائيل محور صلاح الدين في رفح رغم اتفاقيات الأمن. ويتهمون ثوار سوريا أنهم دخلوا دمشق بدعم أجنبي، ناسين أنه لا يوجد حاكم عربي الآن لم يصل إلى منصبه دون دعم أجنبي. ألم يقل الدكتور مصطفى الفقي (سكرتير الرئيس مبارك للمعلومات ثم رئيس لجنة العلاقات الخارجية بالبرلمان) أن الرئيس القادم لمصر (بعد مبارك) يحتاج إلى موافقة أمريكية وعدم اعتراض إسرائيلى؟

قال لي أحد المثقفين المصريين "إذا خُيرت بين الديكتاتورية العسكرية وبين ديمقراطية تأني على بد الإسلاميين، فسوف أختار الديكتاتورية العسكرية، لأنها على الأقل لن تتدخل في اختيارتي الاجتماعية، كشرب الخمر مثلا"، وهذا ما يؤكد رؤيتنا في انتهازية النخبة المثقفة للطبقة الوسطى وتعاليها على الطبقات الأدني (البروليتاريا)، ومحاولتها – من أجل مصالح أفرادها الشخصية - الارتباط بالطبقات الحاكمة سواء أكانت ارستقراطية أو استعمارية أو عسكرية، ولذلك أقاموا الدنيا ولم يقعدوها على اشتباكات اللاذقية الطائفية بينما لم يحركوا ساكنا لمذبحة رابعة، بل إن بعضهم وصلت به الوقاحة أن يلوم مؤسسة الأزهر على بيانها في شجب العدوان الإسرائيلي على غزة بينما لم تصدر بيانا مثله لإدانة أحداث اللاذقية، رغم أن قضية فلسطين هي القضية المحورية للمنطقة (سواء سميتها شرق أوسط أو عالم عربي) لأنها تمثل صراعا مع قوى عالمية كبرى، بينما المشاكل الأخرى في المنطقة سواء أكانت صراعات طائفية أو عرقية هي صراعات محلية.

No comments:

Post a Comment