يطلق اليهود
على اللغة العبرية اسم لاشون هاكوديش أي "اللسان المقدس"، فطبقا
للتوراة، العبرية هي لغة الله،
وكانت لغة كل البشر قبل أن يفرق (يبلبل) الله ألسنتهم في برج بابل (سفر التكوين
11: 1-8). ويعتقد بعض المسلمين أن اللغة العربية لغة توقيفية، أي أن الله علمها
للبشر، وأنها لغة أهل الجنة، والحديث عن لغة مقدسة وتوقيفية أو لغة الله وأهل
الجنة حديث قد يكون مقبولا في الفكر الديني، وقد يكون مسموعا في دور العبادة، لكنه
ليس مقبولا في الفكر العلمي، وغير مسموع في ساحات الدرس والبحث الأكاديميين، لأنه
من الأمور الميتافيزيقية (غيبيات) التي لا يستطيع العلم نفيها كما لا يستطيع
إثباتها، ولذلك يتعامل العلم مع كل اللغات على أنها اصطلاح بين المتكلمين بها، وقد
وُلدت لتلبي احتياجاتهم الاجتماعية، وتطورت لتواكب تطوراتهم.
التوراة والقرآن خطابان إلهيان بلغتين إنسانيتين، مما سبَّب
مشكلة أساسية لهاتين اللغتين، تمثلت هذه المشكلة في محاولة المتدينين تثبيت مستوى
تطور هاتين اللغتين عند مستوى الكتابين المقدسين (التوراة والقرآن). ولأنه يصعب
تثبيت لغة إنسانية ومنعها عن التطور، فقد توقفت اللغة العبرية عن كونها لغة تواصل
بشري منذ
القرن الخامس الميلادي، وأصبحت لغة عبادة فقط، وعندما أرادت الحركة الصهيونية، في
القرن التاسع عشر، إحياء اللغة العبرية لتكون لغة قومية للوطن الذي يريدون إنشاءه،
اعترض اليهود المتدينيون باعتبار أن اللغة العبرية لغة مقدسة، وأن استخدامها في
التواصل البشري سوف يدنسها، فقاد إليعازر بن يهودا جهود خلق نسخة حديثة من اللغة العبرية
القديمة، لتكون العبرية الحديثة لغة التواصل في إسرائيل، ولحفظ العبرية القديمة
(المستخدمة في التواراة) كلغة مقدسة بعيدة عن التواصل البشري وتطوره. وقد تخلصت
العبرية الحديثة من بعض الظوهر اللغوية للعبرية القديمة، كالمثنى والإعراب (تشكيل
أواخر الكلمات)، واقتربت في صوتياتها من اللغة الألمانية، واستعارت كلمات كثيرة من
اللغات الأوروبية.
أما اللغة العربية، فقد تم تثبيتها عند لهجة قريش في
القرن السادس الميلادي، لأنها اللهجة التي نزل بها القرآن، فعكف اللغويون على
دراستها وتحليل نصوصها واستخلاص قواعدها، متجاهلين اللهجات الأخرى إلا عند
المقارنة، كما تجاهلوا كل التطورات التي طرأت بعد ذلك على هذه اللهجة. وكانت حجة
المتدينيين أنه إذا تم الالتفات إلى هذه التطورات اللغوية وتدريسها، لن تفهم
الأجيال القادمة القرآن باعتبار لغته لغة عفا عنها الزمن، وبذلك يضيع القرآن. نسى
هؤلاء المتدينون أنهم يؤمنون بآية (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون)، فالله
يحفظ القرآن لا اللغويون، والقرآن يحفظ اللغة، وليست اللغة هي التي تحفظ القرآن، وكذلك
نسي اللغويون أنه لا تنقرض اللغة بسبب أي تغيير في بنيتها الصوتية أو الدلالية،
ولكن بسبب تغيير بنيتها الصرفية والنحوية، وهذا ما لم يحدث في اللغة العربية،
فعندما يستعير العرب كلمات أجنبية، مثل كلمة "تلفون"، يخضعونها للصرف
العربي ليولدوا الفعل المضارع "يتلفن".
تجاهل اللغويين لتطورات اللغة العربية كان أحد سببين
أساسين أدَّيا إلى جمود اللغة العربية الحديثة. السبب الثاني هو توقف العقل العربي
عن الإبداع منذ بداية العصر الحديث، وخروج معظم الإنجاز الحضاري الحديث من الغرب،
فتسمت مفردات الحياة الحديثة بأسماء غربية، فاللغة كيس بلاستيكي يأحذ شكل المستوى
الحضاري للمتكلمين بها.
والحقيقة أن وراء استخدام اللغة سلطة تفرض أيديولوجيتها أو
أيديولوجيا تمارس سلطتها في دفع استخدام لغوي بعينه، وتجاهل غيره. فإذا كانت سلطة
الأمبراطورية الإسلامية وراء انتشار اللغة العربية كلغة تواصل ولغة العلم في
العصور الوسطى، كذلك كانت سلطة الامبراطورية البريطانية والولايات المتحدة بعدها
وراء انتشار اللغة الإنجليزية كلغة تواصل ولغة العلم في العصر الحاضر.
وإذا كان القوميون والإسلاميون تجاهلوا التطوارات
اللغوية للغة العربية وأطلقوا عليها اسم "عامية" (وهي تسمية دونية، توحي
أنها لغة العوام، لا الصفوة المثقفة)، فقد بدأ الاهتمام باللغات العامية ودراستها
على يد المستشرقين والقطريين (أو من أُطلق عليهم شعبويين لرفضهم القومية العربية
وانتمائهم إلى ثقافات ما قبل الإسلام في العراق والشام ومصر والمغرب العربي).

.jpg)
.jpg)




