يقول
الصحفي البريطاني روبرت فيسك، أشهر مراسل غربي في الشرق الأوسط، أن قذارة شوارع
القاهرة جعلته يظن أن المصريين شعب قذر، حتى زار بيوت المصريين ورأى مدى حرصهم على
نظافتها، وظل يفكر في هذا التناقض بين شوارع مصر وبيوتها، حتى خلص إلى فكرة تبدو
حقيقية إلى حد كبير، وهي أن المصريين لا يحرصون على نظافة شوارعهم لآنهم يرون أنها
لا تنتمي إليهم، بل إلى حكومات لا تمثلهم، بل تختطف بلادهم، أما البيوت فهم
يمتلكونها وتنتمي إليهم. وعلى المثقفين المصريين أن يتعلموا من هذا الصحفي البريطاني،
لكن للأسف، معظم المثقفين المصريين "حافظين مش فاهمين"، فإن من يستطيع قراءة كتاب مثل "العقد الاجتماعي" لجاك جان روسو ولا يستطيع قراءة الواقع الذي يعيشه ليس مثقفا، فالثقافة هي القدرة على تحليل الواقع ، لا مجرد معرفة تحليلات سابقة لواقع مختلف. لكن المثففين المصريين تخلوا عن دورهم في تحليل مجتمعهم، وسبر عقله الجمعي، وكل ما يفعلونه هو محاولة النظر إلى مجتمعهم بنظارة تحليلات المثقفين الغربيين لمجتمعاتهم، وعندما يجدون المجتمع المصري لا يتوافق مع تطورات المجتمعات الغربية وتحليلات الميقفين الغرببين، يسارعون إلى اتهام الجتمع المصري بالتخلف والتناقض والنفاق والولع بالمظاهر الشكلية و..... ألخ. لذلك يبدو بعض اليساريين مضحكين عندما يتحدثون عن توحش الرأسمالية في مصر ، فهم غير قادرين على تصور أن ما يسيطر على مصر هو الفساد ، وهو أمر لا علاقة له برأسمالية أو أشتراكية ، وأن التاريخ الأقتصادي لأوروبا كما شرحه كارل ماركس لم ينطبق على مصر . وهذا ما أشار إليه السياسي الصايع توفيق عكاشة -رغم رداءة مثاله- عندما تحدى السياسي المثقف (البرادعي) أن يعرف كيفية تزغيط البط أو سعر حزمة الجرير.
إن
متابعة ظاهر المصريين يدل على تناقض بين التدين والانحلال، محل لبيع ملابس
المحجبات بجانب محل لبيع بدل الرقص الشرقي، يملأ الناس المساجد ثم يخرجون منها
ليسبوا الدين ويتحرشوا بالنساء ويكذبوا وينصبوا و.... ألخ. إذا أخذنا بهذا الظاهر
سوف نسارع إلى اتهام المصريين بالنفاق الاجتماعي، لكن التعمق وراء هذه الظاهرة سوف
يكشف لنا أن وراءها أسبابا وجيهة.
مصر مارد الشرق الأوسط، بموقعها الجغرافي وتاريخها السحيق وحضارتها المتنوعة المصهورة في الشخصية المصرية وشعبها الذي تجاور 120 مليون نسمة أكثر من ثلتهم شباب وكفاءات نادرة، أضف إلى هذا أنها قد تكون الدولة الوحيدة في الشرق الأوسط التي تملك بنية وتاريخ دولة لم تتغير حدودها منذ القدم، وينصهر شعبها في بوتقة وطنية غير طائفية ولا عرقية. كل هذا جعل القوى العالمية والمحلية تحاول أن يبقى المارد في قمقمه، وأن تُحصر مصر داخل حدودها، فلا يسمح لها بالنهوض ولا الوقوع، لأن نهوضها يعني تأثيرها على محيطها الأقليمي، ووقوعها يعني بركان غضب شعبي وحروب أهلية تطال الدول المجاورة، هذا غير موجات تسونامي من الهجرة غير الشرعية إليها، ولذلك رفض البنك الدولي في الستينيات تمويل مشروع السد العالي الذي كان يعد بنهضة صناعية، بينما انهالت قروض نفس البنك منذ السبعينيات لدعم تحول السياسة الاقتصادية المصرية نحو الانفتاح الاقتصادي، ثم بعد ذلك لانقاذ الاقتصاد المصري من الانهيار أكثر من مرة.
بدأ تنفيذ مخطط حصر مصر في مؤتمر لندن سنة 1840 لتحجيم
طموحات محمد علي وقدارته التي مست أوروبا بشكل مباشر ، ثم أعيد تنفيذه فى عهد
السادات لوأد المشروع القومي الذي دشنه عبد الناصر، ومنذ ذلك الوقت دُفعت مصر إلى
الحافة، وشعر شعبها بخطر السقوط إلى الهاوية يتهددهم، وكأنهم يعيشون في طوفان طال به
الزمن فلا تلوح له نهاية، حتى عندما اعتقد الشعب أنه قد غيَّر النظام الذي يسيطر
على يقائهم على هذه الحافة.
لا تنحصر مظاهر هذا الطوفان على الجوانب الاقتصادية، مثل
انهيار العملة الوطنية، وتنبخر مدخرات المصريين بفعل التعويم، بل امتدت مظاهر هذا
الطوفان إلى الحياة الاجتماعية، فقد تهاوت شرائح الطبقة الوسطى واحدة بعد الأخرى، حتى
بدأت في الاختفاء، واتسعت الفجوة بين طبقتين عليا ودنيا. رغم أن الطبقة الوسطى
المتهاوية تحاول بكل ما أوتيت من قوة أن تحفظ ماء وجهها وتتظاهر بالتماسك، ومن
يأخذ بالظاهر يعتقد أن هذه المحاولات مجرد نفاق اجتماعي. وفي الحياة الدينية، فإن للطوفان
فقه غير الفقه المعروف، حيث الضرورات تبيح المحظورات، فدفع الرشوة حلال للحصول على
حقوقك، والكذب مباح لحفظ الحياة، ولذلك يتهم الظاهريون الشعب المصري أن تدينه
يقتصر على العبادات دون المعاملات. وفي الجانب الأخلاقي، فإن منطق الطوفان يختلف
عن منطق الحياة العادية، ، فما يحتاجه البيت يحرم على الجامع، وإذا جاءك الطوفان
ارمِ ابنك تحت رجليك.
كل هذه الأمثلة تثبت الفرق بين الظواهر الاجتماعية التي يتخذها المثقفون المصريون ذريعة لاتهام شعوبهم، وبين أسبابها الكامنة في العقل الجمعي المصري الذي لا يلتفت إليه المثقفون.
منذ منتصف السبعينيات ثم الثمانينيات كان أمل المصريين
في القفز من الطوفان إلى البر يتمثل في الهجرة أو سفر الطلاب للعمل في جنوب أوروبا
وبعد تخرجهم إلى دول النفط العربي في ليبيا والعراق والخليج، ولكن بعد حرب الخليج
1991 أخذت هذه القفزة تزداد صعوبة، ولم يعد يبدو أي ضوء في نهاية النفق، مما مهد
لثورة 25 يتاير 2011، لكنها كانت مجرد عامين حتى عاد النظام القديم بقبضة حديدية
أشد وطأة، ليحافظ على بقاء المصريين على الحافة دون أي أمل!
.jpg)

No comments:
Post a Comment