Thursday, December 19, 2024

سوريا والقومية العربية

 العجز العربي

منذ هزيمة المشروع الناصري في ٦٧ والعرب عاجزون عن تحريك واقعهم أو توجيهه أو إيجاد بديل له، وقد نتج عن هذا العجز ظاهرتين. الأولى هي تشكيل مثلث للقوى المؤثرة في الشرق الوسط من إيران وإسرائيل وتركيا، وبالطبع يلعب النظام العالمي الأحادي (مثتملا في الولايات المتحدة) دورا محوريا بين رؤوس هذا المثلث. الظاهرة الثانية هي تحول العقل العربي من مسار التحرير الوطني إلى مسار محافظ يحاول إيقاف حركة التاريخ وتثبيت الواقع، إدراكا منه بأنه بأنه لم يعد فاعلا في هذا الواقع، بل مفعولا به من مثلث قوى غير موثوق بها، فإذا كنا عاجزين عن التقدم خطوة واحدة، وفي نفس الوقت لا نثق في المؤثرين، فعلى الأقل يمكنا التشبث بمواقعنا فلا نتراجع، ولكن لأنه يستحيل إيقاف عجلة التاريخ أو التغلب على حركته ، فقد تراجع العرب للوراء خطوات كثيرة، وسيطر هذا المسار المحافظ على العقل العربي حتى في نخبته المثقفة التي تحولت (ياستخدام مصطلحات جرامشي) من دور المثقف العضوي في الربط بين البنية الفوقية والتحتية للمجتمع إلى مثقف تقليدي أنعزالي يخدم مصالح الطبقة الحاكمة. تفضل هذه النخبة الديكتاتورية العسكرية (بقايا المشروع الناصري) على التيارات الدينية التي نتجت عن مشروع النهضة الإسلامية وأنتجت في أفغانستان تجربة رجعية معادية لكل أشكال التحديث، بينما على الأقل حافظت الديكتاتورية العسكرية على هامش صغير من التحديث، وإن كان شكليا. وإذا كان هذا المبرر لانحياز المثقفين مفهوما، فإن رفضهم للتيارات الدينية بحجة أنها لا تؤمن بالديمقراطية مثير للسخرية بدرجة كبيرة، كأن الديكتاتورية العسكرية تطبق نظاما ديمقراطيا! والحقيقة أنهم لا يتذكرون الديمقراطية إلا في نقد التيارات الدينية. وبدلا من دورهم في توعية وتثقيف الجماهير، فإنهم يختلقون الخطر كأنهم زرقاء اليمامة، ويلغون العقول تسهيلا لقيادة القطعان وحشرها في حظائر الديكتاتورية العسكرية. على سبيل المثال، يخوف هولاء المثقفون شعوبهم مما يحدث في سوريا، ناسين أن دفع الشر المؤكد أولى من تجنب الشر المحتمل، وأن تحرير الإنسان أولى من نحرير الأرض، فيدعون قلقهم من احتمال انقسام سوريا أو وقوعها في حرب أهلية، ولكنهم ينسون أن سوريا تحت حكم الأسد انقسمت بالفعل ووقعت فريسة حرب أهلية وتحت النفوذ الأجنبي الروسي والأيراني والأمريكي والبريطاني. ويتباكون على احتلال إسرائيل المنطقة العازلة مع سوريا بعد رحيل الأسد، متناسين أن الحكم العسكري في مصر يتجاهل احتلال إسرائيل محور صلاح الدين في رفح رغم اتفاقيات الأمن. ويتهمون ثوار سوريا أنهم دخلوا دمشق بدعم أجنبي، ناسين أنه لا يوجد حاكم عربي الآن لم يصل إلى منصبه دون دعم أجنبي. ألم يقل الدكتور مصطفى الفقي (سكرتير الرئيس مبارك للمعلومات ثم رئيس لجنة العلاقات الخارجية بالبرلمان) أن الرئيس القادم لمصر (بعد مبارك) يحتاج إلى موافقة أمريكية وعدم اعتراض إسرائيلى؟

رويا تحجب الرؤية
تاريخيا، شهدت سوريا تسع انقلابات عسكرية منذ ١٩٢٥ حتى ١٩٧٠، انتهت بتوريث الحكم لشاب مدلل ليس له أية خبرة سياسية، ولذلك لم تكن ثورتها لتنجح دون معارضة مسلحة. (ولكن هل يمكن لثورة غير مسلحة أن تنجح؟) فهل ما حدث في سوريا في الأيام السابقة مرحلة من مراحل الثورة الشعبية التي بدأت مع الربيع العربي سنة ٢٠١١ ضد الديكتاتور بشار الأسد؟ إذا كانت الإجابة بنعم، فلماذا قامت الآن بعد ثلاثة عشر عاما من تحت الرماد كطائر العنقاء؟ يربط القوميون العرب استعادة الثورة السورية لعافيتها مؤخرا بخطة نتنياهو لتغيير خريطة الشرق الأوسط، والتي أعلن عنها في سبتمبر الماضي أثناء خطابه في الجمعية العامة للأمم المتحدة. فتفعيل خطته كان لابد من تقسيم سوريا وإضعاف الفريقين المتقاتلين دون السماح لأحدهما أن ينتصر على الآخر نصرا نهائيا، وبالطبع ليس هناك للتقسيم طريقة أفضل من إشعال صراع طائفي بين الشيعة (الممثلة في النظام السوري المدعوم من إيران) وبين السنة (الممثلة في هيئة تحرير الشام المدعومة من تركيا “عضو الناتو” ودول الخليج العربي)، ولم لا والمشرق العربي يعيش الآن عصر ملوك الطوائف.. المرحلة الاخيرة قبل سقوط الأندلس في المغرب العربي. ولقد وافقت أمريكا على هذه الخطة لتشتيت الجيش الروسي وإشغاله عن أوكرانيا، وكذلك قطع الأذرع الإيرانية المحيطة بإسرائيل. وهكذا ظهر الجولاني، عضو سابق في تنظيم القاعدة، سجنته القوات الأمريكية في العراق، وتحالف مع داعش ثم انشق عنها، وتصنّفه الحكومة الأمريكية كإرهابي ومازالت مخابراتها ترصد مكافأة ١٠ مليون دولار لمن يدلي بمعلومات تؤدي للقبض عليه، ومع ذلك تحاوره أكبر قناة إعلامية أمريكية، فيظهر فيها كنجم سينمائي لا مقاتل متخفي، وقد تخلى عن كوفيته ولحيته الكثيفة، ويتحدث – دون الاستشهاد باي نص ديني – عن أمله في تحقيق دولة القانون وحماية الأقليات وانهاء الطائفية ، لانه – على حد تعبيره – لا يستطيع احد إلغاء الاخر. هل هذا فيلم هوليودي؟ أم هو جزء من محاولة ترتيب الأوراق قبل عودة ترامب (القيصر القديم /الجديد) إلى البيت الأبيض؟
يشكك القوميون في أن الجولاني قد أوصل لواشنطن تعهدات لا نعلم طبيعتها، ومما أكد شكوكهم أن إسرائيل قامت بضرب مخزن أسلحة بشار الأسد كأنها تضعفه بينما كان قوات الجولاني تزحف باتجاه دمشق، ثم يصرح ترامب بأن أمريكا يجب ألا تتدخل لأن أحداث سوريا لا تخصها في شيء.
هذه الرؤيا المسبقة هي رؤيا ايديولوجية جامدة لا تتأثر بالأحداث، بل تصادر على المستقبل، وتجعل الماضي يحكم عليه، لكن هذه الرؤيا تغيرت بعد ساعات قليلة من دخول دمشق، فالضربات الاسرائيلية المستمرة تدل على عدم وجود تفاهمات مع اسرائيل، والبيانات الروسية والإيرانية تؤكد أن الأسد غادر (كفأر) بعد تفاهمات مع الجيش والمعارضة للحفاظ على وحدة سوريا، وما بؤكد هذه البيانات التقدم السريع للمقاومة وانسحاب الجيش دون قتال، وسوف تتأكد في الايام القادمة ان لم يتم حل الجيش، كما عاد الجولاني لاسمه الحقيقي (احمد الشرع) وخطب في المسجد الأموي خطبة دينية بعد خطابه الليبرالي في حديث السي ان ان، وطلب من رئيس الوزراء الاستمرار في عمله ومن أتباعه عندم التعرض لمؤسسات الدولة. أما هيئة تحرير الشام، التي كانت تسمى جبهة النصرة، فظهر أنها مجرد الجناح العسكري للائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية التي يرأسها الدكتور هادي البحرة، في تجربة فريدة لم تشهدها المنطقة من قبل، وهي توافق تيارات سياسية مختلفة على مصالح وطنية، تعترف بها جامعة الدول العربية كممثل للشعب السوري. ولكن التحدي الحقيقي لهذا الائتلاف هو ما بعد بشار. فمن الطبيعي أن يتوافق الفرقاء في مرحلة الهدم، لكنهم يتقاتلون في مرحلة البناء.

التنبؤات الدينية التي تحكم الشرق الأوسط
بسقوط نظام الأسد سقط آخر نظام يرفع شعار القومية العربية، فلماذا فشلت القومية العربية؟ هناك أسباب عدة لهذا الفشل. أولا، ارتباطها بالديكتاتورية العسكرية في مصر وسوريا والعراق واليمن وليبيا. ثانيا المتاجرة بقضية فلسطين دون ان تستطيع ان تقدم لهذه القضية شيئا إلا أن زادتها تعقيدا. ثالثا الفشل في احتواء التيار الإسلامي لأنه تيار أممي (عابر لفكرة الوطن) رغم أن الإسلام يشكل أحد مكونات القومية العربية، ورغم أن القومية العربية استوعبت وتحالفت مع تيارات اشتراكية أممية. رابعا كانت القومية العربية دخيلة على العقل العربي، واحتاجت الي يد الاستعمار الإنجليزي لدفعها، ولقفها المثقفون العرب (خاصة الشوام) الذين تثقفوا بثقافة غربية.
في مقالاته عن الثورة الإيرانية، رأي المفكر الفرنسي ميشيل فوكو أنه بسبب غياب الفلسفة عن الشرق، فإن الدين يلعب فيه نفس الدور الذي تلعبه الفلسفة في الغرب، وهو إنتاج الايديولوجيات السياسية وتحريك الجماهير. لم يذكر فوكو رأيه هذا بشكل معياري (خير أم شر) بل بشكل وصفي، لكي يشرح للغرب كيف كان الدين وقودا لثورة سياسية في إيران. ومن الواضح أن الغرب استفاد من هذا الرأي في ترتيب مصالحه في الشرق الأوسط، فاستطاع أن يوظف بعض الجماعات الدينية الإسلامية لخدمة مصالحه في الشرق الأوسط، كما وظفت أمريكا القاعدة لمواجهة الاتحاد السوفيتي.
والحقيقة أن الشرق الأوسط لا يحركه الدين كمنظومة قيمية أو تشريعية بقدر ما تحركة التنبؤات الدينية التي يتم استخدامها لتغذية الصراع الطائفي. فعلى سبيل المثال، العدل هو أعلى القيم القرآنية، بل إن ابن تيمية (المرجع الأساسي لكل التيارات السلفية التي تسيطر على العقل السني الآن) كتب في “الفتاوى” في “رسالة في الحسبة” ما نصه: (فَإِنَّ النَّاسَ لَمْ يَتَنَازَعُوا فِي أَنَّ عَاقِبَةَ الظُّلْمِ وَخِيمَةٌ وَعَاقِبَةُ الْعَدْلِ كَرِيمَةٌ وَلِهَذَا يُرْوَى: “اللَّهُ يَنْصُرُ الدَّوْلَةَ الْعَادِلَةَ وَإِنْ كَانَتْ كَافِرَةً وَلَا يَنْصُرُ الدَّوْلَةَ الظَّالِمَةَ وَإِنْ كَانَتْ مُؤْمِنَةً”). ومع ذلك فإن الدول الإسلامية الحالية أبعد ما تكون عن العدل.
هذا عن القيم، فماذا عن التنبؤات؟ رغم أن الأديان الإبراهيمية الثلاثة تتفق على تبوءة واحدة وهي مجيء المسيح في آخر الزمان بعد حرب دموية، لكن كل دين يرى أن المسيح سيجي داعما له ضد الآخرين. ومن أهم التنبؤات الدينية التي أثرت في الشرق الأوسط النبوءة الشيعية بظهور المهدي المنتظر والنبوءات السنية عن جند الشام وعصابة مسلمة يقاتلون على أبواب دمشق وإرشاد الحجر والشجر للمسلمين عن اليهود وتفرق المسلمين على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة. وكذلك لعبت التنبؤات الأنجليانية دورا في تأسيس دولة إسرائيل .
حتى الحرب العالمية الأولى عاشت كل هذه الفسيفساء العرقية والدينية تحت حكم أمبراطوري لا يهتم بتوحيد العرقيات والمذاهب، بل يستفيد من تنوعها، لكن بمجرد ظهور القومية العربية اشتعلت كل الانقسامات العرقية والمذهبية، وحينما ارتدت القومية العربية الزي العسكري، في النصف الثاني من القرن العشرين، أحكمت قلضتها الأمنية للسيطرة على  العرقيات والمذاهب المختلفة، وعندما ضعفت قبضتها الأمنية في أواخر القرن العشرين، لجأت، لحشر الأقليات في حظيرة الدولة، إلى تخويفهم من الجماعات الدينية والمؤامرات الغربية لتقسيم الوطن، ولكن الواقع أثبت لنا أن الطغاة مجلبة الغزاة، وأن الديكتاتوريات العسكرية انتهت بتقسيم السودان والعراق وسوريا وليبيا واليمن.
ولكن ما الحل لمواجهة الطائفية؟ الحل هو الدولة المدنية التي تقف على مسافة واحدة من كل الطوائف دون أن تتبني مذهبا أو دينا رسميا، وهو نظام الدول التي يهاجر إليها العرب كلما طردتهم الطائفية من بلادهم.

Thursday, April 11, 2024

إنه الاقتصاد، يا غبي

 

في خلال أربع سنوات من حكم بوش الأب انتهت الحرب الباردة لصالح أمريكا وانتصر الحلفاء في تحرير الكويت، فظن بوش أن فوزه بمدة رئاسية جديدة أمر مضمون، لكن نتائج الانتخابات كانت لصالح المرشح الديمقراطي الشاب بيل كلينتون، وعندما تساءل الناس كيف انهزم الرئيس المنتصر، أجاب أستاذ العلوم السياسية جيمس كارفيل " إنه الاقتصاد، يا غبي" في إشارة منه إلى أن بوش لم يهتم بالاقتصاد الاهتمام الكافي.

لكن الاقتصاد ليس منفصلا بنفسه، بل إنه هدف سياسي وأداة لتشكيل المجتمع، فالسياسة تصوب فوهة قوى الدولة (الثقافية والسياسية والعسكرية) نحو أهداف اقتصادية لخلق تغيير في البنية الاجتماعية لصالح الطبقات الداعمة لنظام الحكم، ويهدف هذا المقال إلى تتبع مختصر لكيفية استغلال النظم المصرية الحاكمة لموارد الدولة وقداراتها لتغيير الاقتصاد بهدف إعادة تشكيل بنية المجتمع المصري في العصر الحديث.

على سبيل المثال، استخدم محمد على قوة الدولة للقضاء على طبقة المتلزمين من المماليك ورجال الدين (الذين يدفعون الضرائب للدولة العثمانية ثم يقومون بجمعها من الشعب)، فاستخدم القوة العسكرية للقضاء على طبقة المماليك، واستخدم القوة السياسية لتطويع طبقة رجال الدين الذين ساعدوه للوصول إلى قمة السلطة السياسية في مصر. واستبدل بنظام الالتزام نظام احتكار الدولة أو ما يمكن أن نطلق عليه رأسمالية الدولة، وتوسع في التعليم كيفيا لخلق طبقة وسطى تدعم قوته العسكرية الناشئة.

تغيرت سياسة الأسرة العلوية بعد هزيمة القوة العسكرية لمحمد على وإجباره على التوقيع على اتفاقية لندن عام 1840، فخضعت الدولة العلوية لارادة القوى الاستعمارية الغربية، واصطفت لها من الطبقة الوسطى المصرية من يدعمها، ومنحتهم ألقاب الباشوية والبكوية والأراضي، مما ساهم في اتساع الفجوة بين الطبقات، حتى وصل الوضع في ١٩٥٢ إلى سيطرة 0.50% على اقتصاد البلد.

لكن الطبقة الوسطى الوليدة قادت الحركة الوطنية للدفاع عن مكاسبها وللمطالبة بمزيد من الحريات السياسية، ووجدت هذه الحركة الوطنية في الضابط أحمد عرابي ورفاقه في الجيش المصري قوة عسكرية تدعم مطالبهم، لكن عندما انتهت حركة عرابي بنتائج عكسية، عادت الحركة الوطنية إلى السياسة، مستمدة الدعم الشعبي، بديلا عن القوة العسكرية، وكانت ثورة ١٩ ذروة عمل هذه الحركة، فرغم أنها ألهمت الشعب عصيانا مدنيا وعمليات مسلحة، إلا انها تركت الجيش والشرطة المصرية بعيدا عن نشاطها، ولم تكن احداث ٢٥ يناير 1952 في الإسماعيلية إلا استثناء.

تحول انقلاب ١٩٥٢ إلى ثورة بسبب التأييد الشعبي له، فقد قدم القادة العسكريون لهذا الانقلاب أنفسهم كأبناء الطبقة الوسطى، وكانت مطالبهم هي مطالب الطبقة الوسطى. قامت دولة يوليو بتأميم ممتلكات الاستعمار والأسرة العلوية وأعوانهما لصالح الشعب، وقامت بتوزيع الأراضي على الفلاحين، وتضييق الفجوة بين الطبقات. وبسبب شعبوية دولة يوليو، توسعت كميا في التعليم، واستخدمت قوة الدولة الثقافية أقصى استخدام لدعم حكمها ودورها الخارجي الذي اتسع ليشمل كل المنطقة العربية بل وامتد خارجها. وصلت الطبقة الوسطى إلى قمة مجدها فتراجعت عن ممارسة السياسة وتركت دولة يوليو تتحدث باسمها، وفي نفس الوقت لم تسمح ديكتاتورية دولة يوليو للطبقة الوسطى إلا بالتأييد. وبدأت طبقة جديدة تتكون من كبار ضباط الجيش، وقد اعترف عبد الناصر نفسه بذلك في خطاب له عقب هزيمة يونيو التي لم تكن مجرد هزيمة عسكرية أو سياسية فقط، بل أيضا كانت تمثل انهيارا اجتماعيا لمشروع الطبقة الوسطى.

إذا كانت حركة يوليو قد أنزلت الطبقات العليا عن قمة الهرم الاجتماعي، فإن السادات، ولكي يدعم تحوله من اشتراكية ناصر إلى سياسة السوق، قد أصعد من الطبقات الدنيا من استطاع انتهاز فرصة الانفتاح الاقتصادي، مثل رشاد عثمان. وفي نفس الوقت حاول الاعتماد على القوى السياسية السابقة لدولة يوليو، كالوفد والأخوان. في أحداث 15 مايو 1971، حاول تفكيك طبقة كبار ضباط الجيش ، لكي تكون أكثر مهنية خاصة وأن الدولة كانت في حالة حرب، وبعد الحرب وتبني خيار السلام، اتبع السادات سياسة إلهاء كبار ضباط الجيش بمشاريع اقتصادية.

لم تكن لمبارك أية رؤية سياسية او اقتصادية ولذلك اضطر إلى تجميد الوضع الذي ورثه من السادات، فظلت الطبقة الوسطى تعاني طوال عصر السادات وحسني مبارك. ولقد نفخ هذا الجمود بالونة اليأس من التغيير، حتى انفجرت هذه البالونة في ثورة 25 يناير التي تحولت إلى انقلاب عسكري بسبب حماية المجلس العسكري لها، فلم تكن مظاهرات الشعب واحتلال الميادين ما أجبر مبارك على التنحي، بل طبقة كبار الضباط، متمثلة في المجلس العسكري، التي قد استغلت هذه المظاهرات لفرض إرادتها وتصوير إنقلابهم العسكري على أنه حماية للثورة الشعبية.

بسبب الزخم الثوري، سلَّم المجلس العسكري منصب الرئيس لمحمد مرسي دون أن يسلمه قوى الدولة التي تمكنه من إحداث أي تغيير.

كانت ثورة ٢٥ يناير آخر أنفاس الطبقة الوسطى، واجهاض الثورة كان إعلان موت هذه الطبقة، وكان وصول السيسي - دون أي خلفية سياسية - لمنصب الرئيس تصريحا بحقيقة يعلمها الجميع دون أن يصرح بها أحد منذ 1952، وهي أن طبقة كبار الضباط هي الحاكم الفعلي لمصر، بغض النظر عن اسم الرئيس. لكن الجديد الذي أتي به السيسي هو فض الارتباط بين دولة يوليو وبين الطبقة الوسطى، واستخدام قوى الدولة بعنف لم تشهده مصر من قبل، فضمت السجون نشطاء سياسيين من كل الاتجاهات السياسية، وأطلق الضباط النار على المتظاهرين ودهست سياراتهم المعتصمين، ولم يُسمح بوجود أصوات مختلفة في الإعلام، وتم تسيس القضاء وإعداد قوائم أعضاء مجلس الشعب في مبنى المخابرات، وحبس رئيس  للجهاز المركزي للمحاسبات عندما فضح الفساد في الدولة، وكأن عنف الجيش والشرطة لم يعد كافيا، فأتاح السيسي لمجرمين - صدر ضدهم أحكام قضائية، كصبري نخنوخ وإبراهيم العرجاني - بإنشاء شركات أمنية خاصة (ميليشيا)، ولكن تسامحت الطبقة الوسطى مع كل ذلك. أما على المستوى الاقتصادي فقد شلَّ السيسي ما تبقى من الأنشطة الإنتاجية للاقتصاد، بتسريع وتيرة بيع وإغلاق القطاع العام (145 شركة أغلقت في العشر سنوات الأخيرة، منها شركة الورق راكنا وشركة السكر أبو قرقاص والقومية للأسمنت والدلتا للأسمدة والحديد والصلب)، ومحاربة رجال الأعمال (صفوان ثابت وسيد السويركي وأحمد بهجت وصلاح دياب)، فانتقل القطاع الخاص المصري (مثل  النساجون الشرقيون) إلى خارج مصر، واحتكر الجيش - من خلال مقاولين له بالباطن مثل محمد على - اقتصاد مصر الذي اقتصر على النشاط العقاري والسمسرة. وكان من الطبيعي لدولة تستورد أكثر مما تصدر، وتستهلك أكثر مما تنتج، وتستدين أكثر مما تدخر، أن تنهار عملتها، ويصل اقتصادها إلى طريق مسدود، فتبخرت مدخرات الطبقة الوسطى، ولم تستطع مرتباتها أن تواكب زيادة الأسعار المتسارعة، فسقطت على قاعدة الهرم الاجتماعي، وتقلصت مطالبها من "عيش، حرية، عدالة اجتماعية" إلى "عيش" فقط"!

ولكن السؤال هو: أية فاتورة تدفع الآن الطبقة الوسطى؟ هل فاتورة انتخاب شخص السيسي دون أن يكون له برنامج انتخابي؟ أم فاتورة التسامح مع قمع الحريات والعنف غير المسبوق؟

وبالنسبة للسيسي، فما التغيير الاجتماعي الذي أراده من وراء سياساته الاقتصادية هذه؟ هل تعمد خنق الطبقة الوسطى للانتقام من دورها في تفجير ثورة 25 يناير؟ أم أنه استخدم قوى الدولة دون أن يدري نتائج ضرباته؟ هل كان واعيا بما يفعل؟ أن إنه أخطأ أهدافه؟

سياسة الفصل العنصري سياسة متبعة حاليا في اسرائيل، وكانت متبعة في جنوب أفريقيا حتى التسعينيات وفي امريكا حتى الستينيات. مصر الآن تتبع سياسة الفصل الطبقي بين قمة الهرم الاجتماعي وقاعدته، بعد انهيار الطبقة المتوسطة. سياسة الفصل الطبقي هذه كانت هي مشروع جمال مبارك وشلة رجال الاعمال من حوله، ودولة ٣٠ يونيه (التي هي امتداد لدولة ٢٣ يوليو) تبنت نفس المشروع، مما يدل على أن اختلافها الوحيد مع جمال مبارك كان مجرد صراع على السلطة. تهدف هذه السياسة الى حماية مكتسبات الطبقة العليا المرتبطة بالرأسمالية العالمية من تأثير الطبقات الدنيا التي يطلقون عليها (رعاع وبيئة). ويتم تبرير هذه السياسة بأن الطبقة العليا هي رافعة الوطن وتحمل الطبقات الدنيا وتوفر لها الوظائف، ولكن الحقيقة أنها تقف على أكتاف الطبقات الدنيا، ولا ترفعها. ومن مظاهر هذه السياسة العاصمة الادارية الجديدة وانتشار الكامبوندات والكباري التي تربط بينها والجدران العازلة للصوت ونزع ملكية العشوائيات وتهجير سكانها كما حدث في جزيرة الوراق لصالح المشروعات السياحية والاستثمارية التي أغرقت البلد في الديون، ولم تحقق عائدا يغطي تكلفتها، لان الرئيس يرى  - كما صرح في إحدى خطبه - أن دراسات الجدوى مضيعة للوقت، مما يذكرنا بحكمة الفلاح المصري (من باع الحقل ليشتري بيتا، سيرتاح سنتين ثم يشقى العمر كله، ومن باع البيت ليشتري حقلا، سيتعب سنتين ثم يرتاح العمر كله).

لكن ما لم يخطط له هذا النظام الحاكم، هو أن التغيرات المحلية والدولية حول مصر أدت إلى تغيير في نمط الاقتصاد المصري. فإن جائحة كرونا وحرب أوكرانيا ثم حرب الإبادة في غزة وهجمات الحوثيين على السفن التجارية في البحر الأحمر، أدت إلى تقلص عوائد قناة السويس والسياحة، ولقد تزامن ذلك مع توقف المعونات الخليجية ثم تناقص تحويلات المصريين بالخارج بسبب التفاوت بين سعر صرف الدولار في البنك والسوق السوداء. كل هذه الأسباب حولت الأقتصاد المصري من اقتصاد ريعي (لا يستمد إيراداته الوطنية من الإنتاج، بل من الدول الأجنبية مقابل استغلالها لموارده الطبيعية أو الاستراتيجية) إلى اقتصاد الجباية الذي يعتمد على ضرائب المواطنين ورسوم الخدمات التي تقدمها الدولة لهم. هذا النوع من الاقتصاد يضغط على المواطنين بلا إنتاج أو سوق حر كالاقتصاد الرأسمالي. مشكلة مصر الآن انها لم تعد دولة ريعية ولم تصبح دولة راسمالية بعد. ففي الاقتصاد الريعي تكون الحكومات تحت رحمة الدول الأجنبية، اما في الاقتصاد الرأسمالي فإن دافعي الضرائب - خصوصا من اصحاب الشركات الكبرى - هم من يتحكمون في حكوماتهم، وتغيير النمط الاقتصادي سيؤدي بالضرورة إلى تغيير سياسي مهما حاولت الأجهزة الأمنية قمعه، فقلة الضرائب في الاقتصاد الريعي تبعد المواطنين عن العمل السياسي، وزيادتها في الاقتصاد الرأسمالي تعطيهم الحق في مساءلة الحكومة عن كيفية إدارة الأموال التي أخذتها منهم. فهل نظام السيسي مستعد لذلك؟ لا أظن، والدليل على ذلك أن هذا النظام سرعان ما بحث عن موارد جديدة يمكن تأجيرها للأجانب من أجل إعادة مصر إلى الاقتصاد الريعي بشكل مؤقت حتى تعود عوائد قناة السويس وتحويلات المصريين بالخارج إلى معدلاتها السابقة، وكان مشروع رأس الحكمة هو الحل.