Thursday, July 8, 2021

نوستالجيا الأدب العربي


يلاحظ المُطلع على الادب العربي غلبة فكرة الحنين على غالبية نصوصه في معظم العصور. فهناك دائما حنين لعصر ذهبي ولي دون أن نستطيع أن نمده، وبكاء على لبن مسكوب قد يكون حبيبا هجر ولا مثيل له، وقد يكون وطنا ضاع، أو مبني تهدم ولا نستطيع بناء مثله، أو فرصا أفلتت بين أصابعنا دون أن نتمكن من التشبث بها، كما عير عنها محمود درويش.
الكَمَنجاتُ تَبْكى مَعَ الغَجَرِ الذَّاهِبِينَ إلى الأنْدَلسْ
الكَمَنجاتُ تَبْكى على العَرَبِ الْخَارِجِينَ مِنَ الأنْدلُسْ
الكَمَنجاتُ تَبْكى على زَمَنٍ ضائعٍ لا يَعودْ
الكَمَنجاتُ تَبْكى على وَطَنٍ ضائعٍ قَدْ يَعودْ
قد يكون سبب هذا الحنين في الأدب العربي الحديث هو تراجع الثقافة العربية على كل المستويات المعنوية والمادية في القرون الاخيرة، وما تبعها من هزائم وفشل وتنازلات، مثل ضياع فلسطين وفشل الثورات العربية وحركات التحرر الوطني والمشروعات القومية والهزائم العسكرية والعجز عن مواكبة العالم تكنولوجيا وفكريا. بل إن أحمد شوقي كان يتشبث بالماضي كسيف في مواجهة الحاضر القاسي.
اختلاف النهار والليل ينسي … اذكرا لي الصبا وأيام أنسي
وصفا لي ملاوة من شباب … صورت من تصورات ومس
عصفت كالصبا اللعوب ومرت … سنة حـلوة ولذة خلس
وسلا مصر: هل سلا القلب عنها … أو أسا جرحه الزمان المؤسي
كلما مرت الـليالـي عليه … رق، والعهد فـي الليالي تقسي
لكن ماذا عن العصور الوسطى عندما بلغت الثقافة العربية أوجها؟ إن البحتري لم يجد في ماضيه ما يفوق حاضره ، فلجأ إلى ماضي الفرس، فوصف إيوان كسرى الذي أصبح مجرد أثر بعد انهيار دولة الفرس.
وَإِذا ماجُفيتُ كُنتُ جَديرًا *** أَن أَرى غَيرَ مُصبِحٍ حَيثُ أُمسي
حَضَرَت رَحلِيَ الهُمومُ فَوَجَّهـ *** ـتُ إِلى أَبيَضِ المَدائِنِ عَنسي
أَتَسَلّى عَنِ الحُظوظِ وَآسى *** لِمَحَلٍّ مِن آلِ ساسانَ دَرسِ
أَذكَرتِنيهُمُ الخُطوبُ التَوالي *** وَلَقَد تُذكِرُ الخُطوبُ وَتُنسي
لكن ماذا عن بكاء الأطلال في الشعر الجاهلي؟ إن وجود فكرة الحنين في العصور الأولى للأدب العربي توحي أنه فكرة أصيلة في جينات الثقافة العربية، لكن لماذا؟ تمتلئ فترة الشباب بالاحلام بينما تمتلئ الشيخوخة بالذكريات، فهل ولدت الثقافة العربية كهلا؟ هل يفسر هذا غياب أي مشروع عربي للتعامل مع معطيات الحاضر أو التخطيط للمستقبل؟ يعجز العقل العربي حتى أن يعيش لحظته الحاضرة، لأنه مشغول بمقارنتها بالماضي، والبرهنة أن الماضي كان دائما أعظم، فيرسم صورة مثالية لنفسه كضحية بريئة ورد فعل لا كفاعل، ليريح ضميره من تحمل أي مسئولية عن فشله وهزائمه، فالمسئول دائما مؤامرة خارجية تنوعت أشكالها في فترات مختلفة بين القدر والزمن والفرس أو الروم أو الصليبيين أو أوروبا أو الصهيونية أو امريكا.
لم يكن المتنبي أعظم شاعر عربي لبراعته الفنية فحسب، بل لأنه أبرز من مثل قيم الثقافة العربية. فهو في ميميته المشهورة يرسم صورة مثالية عن نفسه ويلوم الآخرين لعدم تقديره وعجزهم عن رؤية مميزاته، فهو دائما يستحق أفضل مما يأخذ، لولا المؤامرات التي تحيكها أعداءه وغيرة خصومه وسوء تقدير أحبابه:
يا أعدَلَ النّاسِ إلاّ في مُعامَلَتي فيكَ الخِصامُ وَأنتَ الخصْمُ وَالحكَمُ
أُعِيذُها نَظَراتٍ مِنْكَ صادِقَةً أن تحسَبَ الشّحمَ فيمن شحمهُ وَرَمُ
وَمَا انْتِفَاعُ أخي الدّنْيَا بِنَاظِرِهِ إذا اسْتَوَتْ عِنْدَهُ الأنْوارُ وَالظُّلَمُ
سَيعْلَمُ الجَمعُ ممّنْ ضَمّ مَجلِسُنا بأنّني خَيرُ مَنْ تَسْعَى بهِ قَدَمُ
أنَا الذي نَظَرَ الأعْمَى إلى أدَبي وَأسْمَعَتْ كَلِماتي مَنْ بهِ صَمَمُ
أنَامُ مِلْءَ جُفُوني عَنْ شَوَارِدِهَا وَيَسْهَرُ الخَلْقُ جَرّاهَا وَيخْتَصِمُ
الخَيْلُ وَاللّيْلُ وَالبَيْداءُ تَعرِفُني وَالسّيفُ وَالرّمحُ والقرْطاسُ وَالقَلَمُ
يَا مَنْ يَعِزّ عَلَيْنَا أنْ نُفَارِقَهُمْ وِجدانُنا كُلَّ شيءٍ بَعدَكمْ عَدَمُ
مَا كانَ أخلَقَنَا مِنكُمْ بتَكرِمَةٍ لَوْ أنّ أمْرَكُمُ مِن أمرِنَا أمَمُ
...
كم تَطْلُبُونَ لَنَا عَيْباً فيُعجِزُكمْ وَيَكْرَهُ الله ما تَأتُونَ وَالكَرَمُ
ما أبعدَ العَيبَ والنّقصانَ منْ شرَفي أنَا الثّرَيّا وَذانِ الشّيبُ وَالهَرَمُ
ربما تتجلى فكرة الحنين بشكل أوضح في الشعر أكثر من الرواية، لأن الشعر (الذي هو ديوان العرب) أقرب الي المونولوج الداخلي، فكان يعطي للضحية فرصة لبث شكواه من أعدائه وعوازله. فقد كان الشعر العربي شعرا غنائيا يخلو من الشعر الملحمي أو الشعر المسرحي، حتى في مسرحياته الشعرية التي لم تظهر إلا في العصر الحديث.
تتجلى عبقرية نجيب محفوظ في أنه يجعل شخصيات رواياته تواجه نفسها، فمعظم شخصياته تلعب دور الضحية البرئ، لكنه ينزع عنهم طابع البراءة ويفضح تاريخهم. وعندما تصطدم هذه الشخصيات بتاريخها المزيف تنسحب من حاضرها بالجنون (كما في رواية الشحاذ) أو الجريمة ثم السجن (كما في رواية الطريق) أو بالغربة والفجور واليأس (كما في رواية السمان والخريف).

No comments:

Post a Comment